أبو البركات بن الأنباري

193

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

الثاني : أنا [ 105 ] نقول : إنما صح لصحته واعتلّ لاعتلاله للتشاكل ، وذلك لا يدل على الأصلية « 1 » والفرعية ، وصار هذا كما قالوا « يعد » والأصل فيه يوعد ؛ فحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ، وقالوا : « أعد ، ونعد ، وتعد » والأصل فيها أوعد ونوعد وتوعد ، فحذفوا الواو - وإن لم تقع بين ياء وكسرة - حملا على يعد ، ولا يدل ذلك على أنها مشتقة من يعد ، وكذلك قالوا « أكرم » والأصل فيه أأكرم ، فحذفوا إحدى الهمزتين استثقالا لاجتماعهما ، وقالوا : « نكرم ، وتكرم ، ويكرم » ، والأصل فيها : نؤكرم ، وتؤكرم ، ويؤكرم ، كما قال الشاعر : * فإنّه أهل لأن يؤكرما * [ 1 ] فحذفوا الهمزة - وإن لم يجتمع فيها « 2 » همزتان - حملا على أكرم ؛ ليجري الباب على سنن واحد ، ولا يدل ذلك على أنها مشتقة من أكرم ، فكذلك هاهنا . والثالث : أنا نقول : يجوز أن يكون المصدر أصلا ويحمل على الفعل الذي هو فرع ، كما بنينا الفعل المضارع في فعل جماعة النسوة نحو « يضربن » حملا على « ضربن » وهو فرع ؛ لأن الفعل المستقبل قبل الماضي ، وكما قال الفراء : إنما بني الفعل الماضي على الفتح في فعل الواحد لأنه يفتح في الاثنين ، ولا شك أن الواحد أصل للاثنين ؛ فإذا جاز لكم أن تحملوا الأصل على الفرع هناك جاز لنا أن نحمل الأصل على الفرع هاهنا . وأما قولهم « إن الفعل يعمل في المصدر ؛ فيجب أن يكون أصلا » قلنا : كونه عاملا فيه لا يدل على أنه أصل له ، وذلك من وجهين : أحدهما : أنا أجمعنا على أن الحروف والأفعال تعمل في الأسماء ؛ ولا خلاف أن الحروف والأفعال ليست أصلا للأسماء ، فكذلك هاهنا . والثاني : أن معنى قولنا « ضرب ضربا » أي أوقع ضربا ، كقولك « ضرب زيدا » في كونهما مفعولين ، وإذا كان المعنى أوقع ضربا فلا شك أن الضرب معقول قبل إيقاعه ، مقصود إليه ، ولهذا يصح أن يؤمر به فيقال : « اضرب » وما أشبه ذلك ، فإذا ثبت أنه معقول قبل إيقاعك معلوم قبل فعلك دل على أنه قبل الفعل . وأما قولهم : « إن المصدر يذكر تأكيدا للفعل ، ورتبة المؤكّد قبل رتبة المؤكّد » قلنا : وهذا أيضا لا يدل على الأصالة والفرعية ، ألا ترى أنك إذا قلت [ 106 ] « جاءني زيد زيد ، ورأيت زيدا زيدا ، ومررت بزيد زيد » فإن زيدا الثاني يكون

--> ( 1 ) في نسخة « الأصل » . ( 2 ) « فيها » أي في الكلمة التي هي « يؤكرم » .